عثمان بن جني ( ابن جني )
390
سر صناعة الإعراب
أحدهما : ثبات الياء في تصغيرها في قولهم « شييرة » ، ولو كانت بدلا من الجيم لكانوا خلقاء إذا حقروا الاسم أن يردوها إلى الجيم ليدلوا على الأصل . والآخر : أن شين « شجرة » مفتوحة ، وشين « شيرة » مكسورة ، والبدل لا تغيّر فيه الحركات ، إنما يوقع حرف موقع حرف ، وعلى ذلك عامة البدل في كلامهم ؛ ألا ترى أن من يقول « إيّل » فيأتي به على الأصل ، إذا أبدل الياء جيما قال « إجّل » فلم يعرض لشيء من الاسم سواها ، ولم يزل شيئا عما كان عليه من أحوال حركته . هذا هو الظاهر من حال « شيرة » . فإن قلت : فهل تجد لجعل الياء في « شيرة » بدلا من الجيم وجها ؟ فإنّ الطريق إلى ذلك - وإن كان فيها بعض الصنعة - أن تقول : إنه أراد « شجرة » ثم أبدل الجيم ياء ، كما أبدلت الياء جيما في نحو : « الإجّل » و « علجّ » « 1 » و « فقيمجّ » و « مرّج » ، فكان حكمه أن يدع الشين مفتوحة ، فيقول « شيرة » إلا أن العرب إذا قلبت أو أبدلت فقد تغير في بعض الأحوال حركات تلك الكلمة ، ألا ترى أن « الجاه » مقلوب من « الوجه » ، فكان سبيله إذا قدّمت الجيم وأخّرت الواو أن يقال « جوه » فتسكن الواو كما كانت الجيم في « وجه » ساكنة ، إلا أنها حرّكت لأن الكلمة لما لحقها القلب ضعفت ، فغيّروها بتحريك ما كان ساكنا إذ صارت بالقلب قابلة للتغيير ، فصار التقدير « جوه » فلما تحركت الواو وقبلها فتحة قلبت ألفا ، فقيل « جاه » فكما غيرت حال « الجاه » لما لحق الكلمة من القلب ، كذلك غيرت فتحة شين « شجرة » إلى الكسر لما لحق الجيم من القلب ، وزاد في الأنس بذلك أنه لو أقرت الفتحة في الشين ، فقيل « شيرة » لانفتحت الشين قبل الياء ، والياء متحركة ، فتصير إلى قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فكان يلزم أن يقال « شارة » كما يقال « باعة » جمع « بائع » وأصلها « بيعة » ، فهربوا لذلك مع ما قدمناه إلى أن كسروا الشين لتقرّ الياء ولا تنقلب . فإن قلت : فهلا تركوا فتحة الشين بحالها ، فقلبوا الياء ألفا ، فقالوا « شارة » كما قالوا « جاه » ؟
--> ( 1 ) علج : العلج كل جاف شديد من الرجال ( ج ) علوج وأعلاج . اللسان ( 2 / 326 ) .